السمامة… الطائر الذي اختار السماء وطناً.
كتبت : حنان المطوع .
هناك طيور تحلق… وهناك السمامة.
ذلك الطائر الداكن النحيل، الذي يبدو كأنه خيط ظل أنسل من الغيم، لا يعرف للأرض قرارا، ولا يطمئن إلا حين يلامس الهواء جناحيه. تعرف علمياً باسم Apus apus، لكنها في قلوب العابرين ليست اسماً لاتينيناً، بل ومضة حرية، وصوت صيفٍ عابر، ورسالة من علو بعيد.

السمامة لا تمشي على الأرض كما نفعل نحن، ولا تقف طويلًا على غصنٍ لتتأمل العالم. هي ابنة الفضاء المفتوح. حياتها تبدأ في عش صغير، غالباً ما يكون مخفياً في شق جدار أو تحت سقف بيت قديم، لكنها ما إن تقوى أجنحتها حتى تنطلق، وكأن الأرض لم تكن سوى محطة قصيرة في رحلة لا تنتهي.
يقول العلماء إنها قد تبقى في الجو شهوراً طويلة دون أن تهبط. تأكل وهي تطير، تشرب وهي تحلق، وحتى نومها يكون بين طبقات السماء، على ارتفاعاتٍ شاهقة، حيث يقل الضجيج وتصفو الرياح. أليست هذه حياة تشبه الحلم؟ كأنها خلقت لتقول لنا إن الثبات ليس دائماً فضيلة، وإن بعض الأرواح لا يليق بها إلا الامتداد.
في المساء، حين يبرد الهواء قليلًا، يمكن أن نراها وهي تدور في حلقاتٍ واسعة فوق المدن. لا تخاف من العمران، بل تتآلف معه. تعشش في شقوق الأبنية، وتنساب بين الأسطح كأنها تعرف كل نافذة وكل حكاية. تمر فوقنا ونحن مشغولون بخطواتنا الثقيلة، فنرفع رؤوسنا لثوانٍ، ثم نعود إلى انشغالاتنا، بينما هي تواصل رحلتها غير عابئة إلا بالريح.
صوتها حاد، كأنه صفير سريع يخترق السكون. ليس صوتاً حزيناً ولا مرحاً تماماً، بل نداء بري، يذكرنا بأن هناك كائنات تعيش خارج قوانيننا الصغيرة.
هي لا تجمع كثيراً، ولا تخزن شيئاً، ولا تبني أكثر مما تحتاج. كل ما تملكه جناحان، وسماء واسعة، وإيمانٌ فطري بأن الطيران كافٍ.
السمامة لا ترى في الشتاء عندنا، إذ تهاجر آلاف الكيلومترات بين القارات، تعبر الصحارى والبحار، غير آبهةٍ بالمسافات. في عودتها كل عام معنى خفي للوفاء؛ تعود إلى المكان نفسه تقريباً، إلى الجدار ذاته، إلى الفتحة الضيقة التي احتضنت بيضها يوماً. كأنها تقول إن الحرية لا تناقض الانتماء، بل تمنحه عمقاً آخر.
لو تأملناها قليلًا، لوجدنا فيها شيئًا منا.
فيها ذلك الجزء الذي يضيق بالجدران، الذي يحلم بأن يمدّ جناحيه بعيدًا عن ثقل التفاصيل. فيها الشوق إلى العلوّ، لا هربًا من الأرض، بل بحثًا عن منظورٍ أوسع. فكلما ارتفعنا قليلًا، صغرت مشاكلنا، واتسعت رؤيتنا.
السمامة لا تملك ألواناً زاهية، ولا ريشاً متفاخراً، لكنها تملك ما هو أثمن: خفة الروح.
وحين تمر فوق رؤوسنا، كأنها تهمس لنا:
لا تثقلوا قلوبكم أكثر مما ينبغي…
فالسماء تتّسع لمن يعرف كيف يطير.
