تحليل مأزق فيلم «الست» .


تحليل مأزق فيلم «الست» .

كتبت : حنان المطوع .

في خضم الجدل الصاخب الذي سبق عرض فيلم «الست»، بين من رأى فيه مغامرة غير محسوبة ومن اعتبره تشويهاً لقامة فنية بحجم أم كلثوم، وجدت نفسي أمام سؤال واحد: هل يمكن للسينما أن تقترب من الأسطورة دون أن تسقطها؟ بدافع الفضول، وبحثاً عن رأي مستقل بعيداً عن الأحكام المسبقة، قررت مشاهدة الفيلم بنفسي. وبعد انتهاء العرض، خرجت بانطباع مغاير لكثير مما قيل، إذ شعرت أن العمل لم يتعامل مع أم كلثوم كاسم يستغل، بل كإنسانة تفهم، وكحكاية تروى باحترام ووعي فني واضح.

منذ المشاهد الأولى، بدا واضحاً أن الفيلم يتعامل بجدية مع شخصية بحجم أم كلثوم، دون تهويل أو تبسيط. لم يكن الهدف استعراض مسيرتها الغنائية فقط، بل محاولة الاقتراب من عالمها الداخلي، وفهم التكوين النفسي والإنساني خلف الأسطورة. وهذا ما منح العمل خصوصيته، وميزه عن كونه مجرد سيرة فنية تقليدية.

في هذا الإطار، يمكن اعتبار أداء منى زكي أحد أبرز نقاط قوة الفيلم. فقد بذلت جهداً واضحاً في تجسيد الشخصية، بعيداً عن التقليد السطحي أو المحاكاة الشكلية المباشرة. لم تعتمد فقط على تقليد الصوت أو الحركات المعروفة، بل ركزت على التعبير الداخلي، من خلال نظرات العين، ونبرة الصوت، والإيقاع الهادئ للأداء، بما يعكس قوة الشخصية وصلابتها من الداخل. ورغم صعوبة تجسيد شخصية محفورة في ذاكرة الجمهور العربي، استطاعت منى زكي أن تقدم رؤية خاصة بها، تحترم الأصل ولا تقع في فخ التكرار.

الفيلم كذلك لم يكتف بعرض نجاحات أم كلثوم وشهرتها الواسعة، بل سلط الضوء على الرحلة الطويلة التي قطعتها منذ نشأتها في بيئة بسيطة، وصولاً إلى قمة المجد الفني. تناول العمل التحديات التي واجهتها كامرأة وفنانة في زمن لم يكن سهلاً، والصعوبات التي فرضها المجتمع، إضافة إلى صراعاتها الداخلية وضغوط الشهرة والمسؤولية الثقيلة تجاه فنها وجمهورها. هذه الزوايا الإنسانية جعلت الشخصية أقرب وأكثر واقعية، بعيداً عن الصورة المثالية الجامدة.

من الناحية الفنية، اختار الفيلم أن يكون انسانياً أكثر من كونه توثيقاً. لم يغرق المشاهد في تفاصيل تاريخية جافة أو تواريخ وأحداث متلاحقة، بل ركز على المشاعر والتجارب، ما ساعد على خلق تفاعل حقيقي مع القصة. كما ساهم الإخراج والجو العام في نقل روح الزمن الذي عاشت فيه أم كلثوم، سواء من حيث الديكور أو الملابس أو الإيقاع البصري، وهو ما أضاف مصداقية وعمقاً للتجربة السينمائية.

في اخر المطاف، يمكن القول إن فيلم «الست» عمل فني محترم، قد لا يرضي جميع الأذواق بسبب اختلاف التوقعات المسبقة، لكنه نجح في تقديم رؤية صادقة ومتوازنة لشخصية استثنائية في تاريخ الفن العربي. كما نجح في إثارة النقاش حولها، وهو بحد ذاته نجاح يحسب له. ومن وجهة نظري، كان أداء منى زكي ركيزة أساسية جعلت الفيلم يستحق المشاهدة والتقدير