لعلاقات بين الجيران والمجتمع-المحلي.
بقلم : حنان المطوع .
العلاقات بين الجيران والمجتمع-المحلي

في حياة الإنسان، هناك خيوط خفية تنسج دفء القلب وتمنحه شعور الأمان والانتماء، ومن أقواها خيط الجيرة. فليس الجار مجرد ساكن يفصل بينك وبينه جدار، بل هو ظلك القريب في الفرح والحزن، وصوت الحياة الذي يشاركك تفاصيل الأيام. إن المجتمع لا يبنى بالحجارة فقط، بل بالعلاقات الطيبة التي تملأ القلوب وتصل البيوت ببعضها. فكل ابتسامة نتبادلها مع جارٍ، وكل كلمة طيبة نمنحها، هي لبنة تضاف إلى صرح المجتمع الإنساني.
فلنتساءل معا: كم مرة شعرت بالراحة حين مد لك جارك يد العون في وقت الحاجة؟ أو شعرت بالانزعاج حين تجاهلك أحدهم أو لم يلتفت لمشاعرك؟ هذه التفاصيل الصغيرة تصنع الفرق بين حي يضج بالمحبة والسكينة، وآخر يملؤه الجفاء والتوتر. فالعلاقات بين الجيران ليست مجرد مجاملات عابرة، بل هي نسيج إنساني يظهر جوهر الرحمة التي فطر الله الناس عليها.
إن العلاقة بين الجيران تتجاوز حدود الباب والممر، لتصل إلى عمق القلب والوجدان. فالطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الاحترام والمودة بين الجيران، يكبر محبا للآخرين، واثقا في الناس، متفهما لمعنى التعاون. أما الطفل الذي يسمع يوميا صراخ الخلافات أو يرى القطيعة، فإنه يحمل بداخله خوفا من التواصل، وينشأ فاقدا للشعور بالأمان الاجتماعي. فالتوتر بين الجيران لا يترك أثره على الكبار فقط، بل يمتد إلى الصغار، فيشوه لديهم مفهوم العلاقات الإنسانية.
وفي بعض المناطق الشعبية في مصر، تتجلى روح الجيرة والمجتمع بأجمل صورها. عند حدوث أي فرح أو صوان عزاء، تجد الجيران جميعا يهبون للمساعدة، يجمعون الأغراض، ويشاركون في الترتيبات، ويقفون جنبا إلى جنب في السراء والضراء. لا فرق بين غني وفقير، فالجميع يدا واحدة وقلب واحد. هذه الصورة الأصيلة التي ما زالت حية في الأحياء الشعبية، تزرع في نفوس الأطفال معاني الرحمة والتعاون، وتجعلهم يدركون أن الإنسان لا يعيش لنفسه فقط، بل لأجل الآخرين ايضا. وعلى النقيض، نرى أن هذه الروح قد خفتت في بعض الأحياء الثرية، حيث العزلة والانشغال بالحياة المادية طغت على التواصل الإنساني، ففقد الناس بذلك جزءا من دفء العلاقات الاجتماعية.
فكر قليلا: كم يمكن لابتسامة صادقة أن تبدد جفوة طويلة؟ وكم يمكن لكلمة طيبة أن تصلح ما أفسده البعد والشك؟ إن الاحترام المتبادل والمبادرة في الخير هما سر العلاقات الطيبة. كما تقول الحكمة: “الجار قبل الدار”، لأن حسن الجيرة يهب للحياة طعما من الطمأنينة لا يشترى.
والعلاقات الجيدة بين الجيران لا تخلق مجتمعا متماسكا فقط، بل تبني اجيالا أكثر وعيا وتسامحا. فالطفل الذي يرى والده يشارك جاره في فرحه ويواسيه في حزنه، ينشأ وهو يدرك أن القوة الحقيقية ليست في المال أو النفوذ، بل في القلب الذي يمد يده دايما بالعون والمودة. وكل حي يسوده التفاهم والاحترام، هو حي يزرع الأمان في النفوس ويثمر استقرارا وسعادة للجميع.
دعونا نتذكر أن قوة أي مجتمع لا تقاس بعدد بيوته أو مراكزه، بل بروح التعاون التي تسكن بين جدرانه. الجيرة الصالحة ليست مجرد سلوك اجتماعي حسن، بل عبادة خفية تعكس عمق الأخلاق والإنسانية. لنجعل من بيوتنا نوافذ تطل على المحبة، لا أسوارا تغلقها الأنانية. لنتشارك في الأفراح قبل أن ندعى، ولنقف في الأحزان قبل أن نستغيث، فهكذا تبنى المجتمعات الأصيلة التي لا تهزها الأزمات.
ولنعلم أبناءنا أن الجار ليس غريبا، بل هو الأخ الذي يسكن بالقرب، واليد التي تمد في وقت الضيق. فحين تتشابك القلوب قبل الأيدي، تزدهر الحارات، وتشرق المدن، وينهض الوطن كله. فلنكن جميعا جيرانا بحق، نحمل في قلوبنا المحبة، وفي أفعالنا الخير، وفي نوايانا الصدق، لنصنع مجتمعا دافيا يليق بالإنسان والإنسانية.
