يستعرض مسلسل “كان يا مكان”تداعيات الطلاق على الاستقرار الأسري.


كتب : الناقد الفني د. محمد هاشم.

هل النفقة هي قيمة المرأة الاجتماعية أم أنها تسليع غير مباشر لمكانتها؟

يستعرض مسلسل “كان يا مكان” تداعيات الطلاق على الاستقرار الأسري، حيث تتشابك الصراعات القانونية بالعاطفية وسط أداء متميز لماجد الكدواني ويسرى اللوزي. ورغم بطء إيقاعه وتكرار تيمته الدرامية، ينجح العمل في تقديم معالجة إنسانية متوازنة تبرز آثار الطلاق النفسية العميقة على الأبناء في ظل التحولات الاجتماعية المعاصرة.

تبدأ أحداث مسلسل “كان يا مكان” عندما تضرب أزمة منتصف العمر استقرار أسرة صغيرة، حين تقرر الزوجة كسر قيود الزواج والمطالبة بالطلاق بحثا عن حياة جديدة وقصة حب تعيد لها شغفها المفقود بعد 15 عاما من زواج رتيب، وتتحول محاولات الزوج اليائسة لإنقاذ ما تبقى إلى صراع قانوني وعاطفي تدفع الابنة ثمنه الأكبر، في مسلسل يمزج بين الدراما الإنسانية واللمسات الكوميدية الخفيفة ليطرح أسئلة عميقة حول المسؤولية الأبوية والعدالة الأسرية في مجتمع يعاني من ارتفاع معدلات الطلاق.

المسلسل من إخراج كريم العدل، مع عمر رشدي حامد (مخرج الوحدة الثانية)، وتأليف شيرين دياب، ويشارك في بطولته ماجد الكدواني، يسرا اللوزي، عارفة عبدالرسول، نهى عابدين، حازم راغب، ويوسف عمر.

ويبدأ السيناريو بصدمة مفاجئة في الحلقة الأولى، حين يستيقظ مصطفى على اختفاء داليا في يوم عيد ميلادها، فيجهز حفلا عائليا دافئا يدعو فيه الجميع، لكن الاحتفال ينقلب إلى كارثة عندما تطلب داليا الطلاق أمام الجميع، ويعتمد هذا الافتتاح على عنصر المفاجأة القاسية ليُبرز الفجوة العاطفية المتراكمة، لأنه يُظهر مصطفى كزوج محب يبذل جهدا لإسعاد زوجته، بينما تكشف داليا عن انفجار داخلي مكبوت.

ينجح هذا الاختيار في جذب المشاهد فورا، لكنه يثير تساؤلا حول مدى واقعية الانفجار المفاجئ بعد سنوات طويلة من الصمت، وهذا دليل على نجاح شيرين دياب في بناء التوتر النفسي المطلوب في العمل دون مبالغة.

ويتصاعد الإيقاع الدرامي في الحلقة الثانية، حين يغادر مصطفى المنزل بعد الصدمة، ثم يعود ليسأل عن السبب الحقيقي، فترد داليا بأنها غير سعيدة، ويتم الطلاق وسط حزن الطفلة فرح الواضح، وهنا تبرز متتاليات المشاهد لتوازن نسبي بين الطرفين، إذ لا تُصوَّر داليا كشريرة مطلقة، وإنما كامرأة تبحث عن هويتها بعد سنوات من الروتين، بينما يُظهر مصطفى محاولات يائسة للفهم، لكن تتأثر فرح بشكل مباشر، وهذا يضع الأساس للصراع الرئيسي: تأثير الطلاق على الأبناء، ويُبين كيف يتحول الحب الزوجي إلى حرب باردة تُستخدم فيها الابنة كورقة ضغط.

وتدخل الحلقة الثالثة مرحلة الانهيار الأولى للطفلة، حين تختفي فرح من المنزل، فيتواصل الوالدان لإيجادها، وتبقى غير متقبلة لتصرف أمها، بينما تبدأ داليا البحث عن عمل ويغير مصطفى بعض عاداته، وهنا تنجح الكاميرا في تصوير ردود الفعل الطبيعية للطفلة كضحية صامتة، وتبرز محاولات الوالدين رغم الانفصال للتعاون من أجلها، كما يُضفي هذا التعاون المؤقت طبقة إنسانية على الصراع، لكنه يُنبئ بتصاعد التوتر عندما يتحول التعاون إلى تنافس.

ويبدأ التصعيد الدرامي في الحلقة الرابعة، عندما يحاول مصطفى الرجوع إلى داليا من أجل فرح، بينما تبدأ داليا العمل في الإكسسوارات وتتعرف على معتز الذي يعرض منتجاتها في معرضه، فيُدخل تكوين اللقطات شخصية معتز كعامل محفز للغيرة والصراع، ليحول الموضوع من خلاف زوجي إلى تنافس عاطفي. هذا التطور يبرز كيف يُسرع ظهور الآخر في تحويل الطلاق إلى حرب، ويُبرز محاولات داليا لإثبات استقلاليتها كخطوة جريئة في سياق اجتماعي يُدان فيه غالباً سعي المرأة للحياة الجديدة.

وتتفاقم الأزمة النفسية لفرح في الحلقة الخامسة، حين يتأثر مستواها الدراسي، وتُبلغ المدرسة الوالدين، بينما تراقب فرح تقارب والدها من الدكتورة مها وأمها من معتز، هنا تركز الأحداث على الارتباك الداخلي للطفلة، وكيف يُترجم الطلاق إلى شعور بالخيانة المزدوجة، وينجح في تصوير تأثير الصراع على الأداء الدراسي والنفسي، ليعزز الرسالة التربوية: أن الأطفال يدفعون الثمن الأكبر، ويطرح تساؤلا حول مسؤولية الوالدين في حماية استقرار أبنائهما حتى بعد الانفصال.

وتصل الحلقة السادسة إلى ذروة عاطفية، حينما تتفاقم المشكلات بين داليا وفرح بعد عملها مع معتز، فتبيت فرح عند والدها، ويتلقى مصطفى صدمة رفع داليا قضية نفقة، بينما يبين الإيقاع الدرامي تحول الصراع إلى بعد قانوني حقيقي يعبر عن واقع محاكم الأسرة المصرية، ويُبرز كيف تُستخدم النفقة أحيانا كأداة ضغط، وينجح العمل في إثارة التعاطف مع مصطفى كأب يواجه عجزه، مع الحفاظ على توازن يُظهر دوافع داليا للاستقلال.

وتنتهي الحلقات الأولى حتى السابعة بتصعيد في الحلقة السابعة، بينما ترفض فرح العودة إلى منزل أمها، وتكتشف داليا أن والدتها رفعت القضية بتوكيل، ثم تحضر فرح مع مصطفى خطوبة مي (أخت داليا) وتفاجآن بوجود معتز، في حين تُبرز باقي المشاهد الغيرة المكبوتة والتداخل بين العائلة الممتدة والصراع الشخصي، ليعمق الدراما ويُنبئ بالمزيد من التعقيدات، وفي المجمل يبني العمل إيقاعا تدريجيا ينتقل من الصدمة العاطفية إلى الصراع القانوني والنفسي، مع الحفاظ على توازن يجعل كلا الطرفين قابلاً للتعاطف، ويجعل العمل حتى الآن من أبرز الأعمال الاجتماعية في رمضان 2026.

ومع تصاعد أحداث المسلسل، تبرز قضية النفقة كمنعطف خطير يخرج بالصراع من إطاره الإنساني الأخلاقي إلى مربع التسليع والنزاع المادي الصرف، ففي الوقت الذي شُرعت فيه النفقة كضمانة لحماية كرامة المرأة واستقرار الأطفال، نجدها في سياق “كان ياما كان” تتحول إلى أداة للمساومة والضغط المتبادل، وهذا التحول يبرز ظاهرة اجتماعية معقدة؛ حين يُنظر للمرأة أحيانا من خلال فاتورة مادية تُحدد قيمتها أو استقلاليتها بناء على مبالغ تُدفع أو تُحجب، وهذا يُفرغ العلاقة الزوجية السابقة من أبعادها الروحية ويحولها إلى عقد مصلحة تتم تصفية حساباته في أروقة المحاكم.

إن لجوء داليا إلى القضاء سواء برغبتها أو بتدبير من حولها يضعنا أمام إشكالية تحويل حقوق المرأة إلى سلعة في سوق الصراع العاطفي، حينما تُستخدم النفقة إما ثمنا للحرية أو عقابا على التمرد، وهو ما يُعزز الصورة النمطية التي تحصر احتياجات المرأة في الجانب المادي وتتجاهل احتياجها للاحترام والكيان المستقل بعيدا عن الصراعات.

يتميز مسلسل “كان ياما كان” بإيقاع بطيء متعمد يعبر عن فلسفة إخراجية وكتابية تركز على التراكم النفسي والعاطفي، بدلا من التصعيد السريع أو الدراما الصاخبة.

نجح كريم العدل في بناء هذا الإيقاع التصاعدي التدريجي الذي يحاكي واقع تآكل العلاقات الزوجية في الحياة اليومية: بدون انفجارات مفاجئة كبيرة، وإنما فقط من خلال تراكمات صغيرة من الروتين والصمت والاختلافات المكبوتة التي تؤدي تدريجيا إلى الانهيار، ويمنح هذا الإبطاء مساحة للمشاهد للعيش داخل تفاصيل الحياة الأسرية عبر المشاهد اليومية البسيطة، والحوارات الهادئة، والنظرات المعبّرة، ويعزز الصدق النفسي ويجعل التعاطف مع الشخصيات أكثر عمقا، خاصة في تصوير تأثير الطلاق على الابنة فرح، بينما يشعر بعض المشاهدين خاصة في دراما رمضان سريعة الإيقاع بأن البطء يتحول إلى تباطؤ يفقد التشويق أحيانا، أو يجعل الحلقات الأولى تبدو ممدودة أكثر مما ينبغي، رغم أن هذا الاختيار يخدم الرسالة الإنسانية العميقة للعمل.

ورغم جودة الفكرة الأساسية في “كان ياما كان” وهي مناقشة تأثير الطلاق على الأطفال، دور الأبوة الإيجابية، والصراع بين الاستقلال الشخصي والمسؤولية الأسرية، إلا أنها تبقى فكرة مستهلكة إلى حد كبير في الدراما المصرية المعاصرة، خاصة في مواسم رمضان الأخيرة التي شهدت تكرارا ملحوظا لقصص الطلاق والأزمات الأسرية والحضانة والنفقة، وتتكرر هذه التيمة في أعمال عديدة سابقة ومعاصرة، وهذا يجعل المعالجة مهما كانت دقيقة وإنسانية تبدو مألوفة ومتوقعة لدى الجمهور الذي اعتاد على مثل هذه الحكايات.

والطلاق ظاهرة اجتماعية حقيقية ومؤلمة في المجتمع المصري، لكن تكرار تناولها بالأطر ذاتها (الأب الضحية، الأم الباحثة عن حياة جديدة، الطفلة المتضررة) يقلل من عنصر المفاجأة والتجديد، بينما ينجح العمل في تمييز نفسه جزئيا من خلال التركيز على الجانب التربوي الإيجابي للأبوة والتوازن النسبي في تصوير الطرفين، إلا أن الفكرة الأم تبقى ضمن دائرة الموضوعات الشائعة التي تحتاج إلى لمسات إبداعية أكثر جرأة لتتجاوز الإطار التقليدي وتترك أثرا أعمق في زمن التشبع الدرامي.