كتبت : غدير الصالح

والإنسان، ساعة الألم يتصور أن الكون تآمر عليه
وأن الحياة رفعت في وجهه لافتة «النهاية»،
وأن السماء أغلقت أبوابها عقابًا.

وهذا تصور عاطفي، لا كوني.
لأنه يفترض أن الوجود يعمل بردود أفعال،
بينما الوجود – في حقيقته – يعمل بقوانين.

نحن نرى الكسر كفشل،
لأننا نقيس الحياة بمنطق المكسب والخسارة،
ولا نراها كرحلة تشكيل.
والتشكيل… لا يتم بلا ضغط.

إن الجراح لا يعتذر وهو يقطع،
لأنه يرى ما لا يراه المريض.
ولو امتلك المريض رؤية الجراح،
لشكره بدل أن يصرخ.

نحن نسأل دائمًا: لماذا انكسرت؟
لأننا نفترض ضمنيًا أننا كنا على الطريق الصحيح.

لكن السؤال الأعمق – الذي يكشف الغرور الخفي في داخلنا – هو:
إلى أين كنت ذاهبًا؟
وماذا كنت ستصبح لو تُركت تكمل بلا توقف؟

كثير من الأقدار ليست عقوبة،
بل فرامل.
والفرامل لا تُستخدم لأن السائق سيئ،
بل لأن الطريق أمامه خطر.

الله لا يكسر الإنسان ليهينه،
ولا يسلبه ليُفقره،
ولا يؤخره ليُعذبه.

الله – ببساطة – يرى الصورة كاملة،
ونحن لا نرى إلا الكادر الذي يؤلمنا.

الأشخاص الذين خرجوا من حياتك
لم يخرجوا دائمًا لأنهم سيئون،
بل لأن بقاءهم كان سيُبقيك أصغر من حقيقتك.

والأبواب التي أُغلقت
لم تُغلق لأنك غير مستحق،
بل لأن الدخول منها كان سيكلفك نفسك.

الخسارة، حين تُفهم سطحيًا، ضياع.
لكن حين تُفهم وجوديًا،
هي تقليل أضرار.

كأن الرحمة قررت أن تتدخل
قبل أن يتحول الشرخ إلى انهيار.

والتأخير…
ليس تجاهلًا إلهيًا،
بل ضبط توقيت.
فبعض النِعم لو جاءت مبكرًا
لتحولت إلى نقمة،
ولكشفت هشاشتنا بدل أن تُظهر نضجنا.

الله لا يقف ضدك،
هو يقف أمامك أحيانًا.
كالإشارة الحمراء:
لا لتمنعك من الوصول،
بل لتمنعك من الموت وأنت مسرع.

وحين تهدأ،
وتبتعد خطوة عن وجعك،
وتنظر من زاوية أعلى،
تكتشف أن ما ظننته لعنة
كان ترقية وعي.

ترقية من إنسان يحاسب الحياة على الألم،
إلى إنسان يفهم الحياة كمدرسة،
والألم كأصعب معلميها… وأصدقهم.

ساعتها فقط تدرك:
ليس كل ما يُؤخذ منك خسارة،
وليس كل كسر هزيمة.

أحيانًا…
الكسر هو الطريقة الوحيدة
التي يُعاد بها تشكيل الإنسان
ليصبح… نفسه الحقيقية.