حين تتحول المساحة إلى فكر… ويصبح التصميم فعل مسؤولية


كتبت : حنان المطوع

في بعض التجارب، لا يكون الفن مهنة مستقلة، ولا التصميم فعلًا شكلياً، بل مساراً فكرياً تتقاطع فيه المسؤولية مع الخيال، والعلم مع الحس الإنساني. من هذا التقاطع تتشكل تجربة الدكتورة المهندسة هديل مبارك الصالح، التي لا يمكن قراءتها بوصفها سيرة مهنية بقدر ما هي رؤية متكاملة ترى في الفضاء خطاباً بصرياً، وفي التصميم فعلًا ثقافياً يحمل معنى ودوراً.

تنقلت بين التصميم الداخلي والديكور والفنون المسرحية بخطى هادئة، بعيدة عن الضجيج، قائمة على التعمق والتجربة. درست، ثم أعادت صياغة علاقتها بالمكان، لا باعتباره مساحة تؤثث، بل حكاية تبنى. حصلت على درجة الماجستير من مصر، ثم نالت الدكتوراه من أكاديمية الفنون بامتياز مع مرتبة الشرف، لتتحول المعرفة لديها إلى ممارسة حية تتجاوز الإطار الأكاديمي.

في وزارة الأشغال العامة بدولة الكويت، لم يكن حضورها تقنياً فحسب، بل قيادياً وفكرياً. بصفتها مدير مشروع في إدارة التصميم والتنفيذ والتأثيث، أشرفت على تنفيذ أكثر من اثنين وأربعين مشروعاً من المشاريع السيادية للدولة، من بينها الديوان الأميري، قصر السيف العامر، قصر بيان، ميناء صباح الأحمد لخفر السواحل، ومشاريع شؤون القصر. تعاملت مع هذه المشاريع بوصفها مسؤولية وطنية، توازن فيها بين الجمال والوظيفة، والهوية والدقة، والميزانيات المعتمدة والرؤية التصميمية، مع متابعة دقيقة للتفاصيل واختيار المواد من كبرى المصانع العالمية.

وبموازاة عملها التنفيذي، ظل حضورها الثقافي حاضراً وفاعلًا؛ فهي عضو في نقابة الإعلاميين والفنانين الكويتية، وعضو في المتحف الوطني ضمن لجنة إحياء التراث، إلى جانب عملها كمحاضِرة في الديكور والتصميم الداخلي، تنقل خبرتها للطلبة لا كدروس نظرية، بل كتجارب معاشة.

وقبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي مفهوماً متداولًا في الفنون المسرحية، كانت تجربتها قد سبقت التسمية. اشتغلت مبكراً على الضوء بوصفه عنصراً درامياً متحركاً، وعلى تقنيات الهولوجرام كوسيط بصري قادر على التحول والتفاعل داخل العرض المسرحي. كانت ترى أن المنظر المسرحي لا يجب أن يكون ثابتاً، بل كياناً حياً يحاور الممثل والنص، ويصنع وهمه بوعي ودقة.

لاحقاً، جاء توظيف الذكاء الاصطناعي امتداداً طبيعياً لهذه الرؤية، حيث استخدمته كأداة تحليل وتوليد بصري تفعل العلاقة بين الفضاء والحركة والصوت والزمن، ليغدو العرض تجربة حية متغيرة، تسهم في فتح أفق جديد للمسرح العربي، وتعيد تعريف العلاقة بين المصمم والمخرج والمتلقي.

وفي امتداد فكري لهذا المسار، صدر كتابها «الإبداع في تصميم المناظر المسرحية في مسرح ما بعد الحداثة»، لا بوصفه توثيقاً أكاديمياً فقط، بل مشروعاً فكرياً يناقش الفضاء المسرحي كفكرة، ويتناول التجريب وتفكيك القوالب التقليدية، ويربط بين النظرية والتطبيق. وقد تجاوز الكتاب حدود الرفوف ليدرس كمقرر جامعي. دشن أولًا في الكويت، ويدشن في القاهرة يوم 7 فبراير 2026 في مكتبة القاهرة الكبرى بالزمالك، بحضور نخبة من الأكاديميين والمسرحيين والمهتمين بالفنون، لتستمر التجربة بوصفها حواراً مفتوحاً مع مستقبل يصمم بوعي، لا يستعاد كذكرى.