لحظات تمنيت لو لم اعشها.


بقلم : حنان المطوع .

لحظات تمنيت لو لم اعشها.

صفحات لا أرغب بإعادة قراءتها

لم أكن أعلم أن هناك لحظات تحفر في القلب لا لأنها جميلة، بل لأنها موجعة لدرجة أن الذاكرة ترفض طردها. لحظات تمنيت لو لم أعشها، لا لأنها قاسية فحسب، بل لأنها كانت كفيلة بأن تغير شيئاً بداخلي للأبد.

تمنيت لو أنني لم أسمع بعض الكلمات التي ظلت ترن في أذني لأيام، كلمات قيلت في لحظة غضب لكنها انغرست في صدري كأنها خناجر صدئة. تمنيت لو أنني لم أر نظرات الخذلان في أعين من كنت أظنهم لا يخذلون، نظرات لم تحتج إلى شرح، لأنها قالت كل شيء بصمتٍ جارح.

هناك مواقف شعرت فيها بالوحدة وأنا بين الجميع، تمنيت لو أنني كنت وحيداً فعلًا، فالوحدة في الزحام مؤلمة أكثر. تمنيت لو لم أضع ثقتي في من لم يستحق، ولو لم أفتح قلبي لمن أغلق بابه حين احتجته. تمنيت لو لم أكن طيباً في أوقات ظننت فيها أن الطيبة تكافأ، فكانت النتيجة عكس ما ظننت تماماً.

تمنيت لو أنني لم أجتهد لأجل من لم يقدر، ولم أسهر الليالي لأجل من لم يكن يستحق لحظة واحدة من وقتي. تمنيت لو أنني لم أجرح نفسي من أجل راحة غيري، ولم أبالغ في الصبر حتى على من كان يتفنن في إيذائي.

لكن رغم كل ذلك، كل تلك اللحظات التي تمنيت لو لم أعشها… صنعتني. صحيح أنها كسرت شيئاً بداخلي، لكنها علمتني أن لا أحد يبقى كما هو بعد أن يتألم بصدق. صرت أفهم نفسي أكثر، وأحسن اختيار من يستحق البقاء. صارت ابتسامتي أغلى، وصمتي أصدق، ودمعتي أندر

وهكذا، رغم مرارة تلك اللحظات، أدركت أن الألم ليس دايماً عدواً، بل احياناً يكون المعلم الأقسى والأصدق. فكل خيبة زرعت في داخلي وعياً، وكل جرح شكل درعاً، وكل صمت علمني أن الكلام ليس دايماً الحل. لم أعد أبحث عن العدل في قلوب البشر، بل عن السلام في قلبي. واليوم، لا أندم على ما عشته، بل اقدر ما أصبحت عليه بفضله. لأن بعض اللحظات، رغم قسوتها، كانت ضرورية كي أولد من جديد… أقوى، أهدأ، وأصدق مع نفسي.