لو كان بإمكاني الصراخ لصرخت.
كتبت : حنان المطوع .

ليس لأن الصوت وحده يكفي، بل لأن في داخلي ما لا تسعه الكلمات حين تتزاحم المشاعر وتضيق بها المساحة. هناك لحظات يقف فيها الإنسان على حافة نفسه، مثقلًا بما لا يُقال، وكأن صدره يحمل حكايات لم تجد طريقها إلى النور. يتشكل هذا الشعور بصمت، يتغذى على مواقف مرّت دون إنصاف، على خيبات لم يُلتفت لها، وعلى فقدٍ ترك أثره عالقًا في الروح، حتى يصبح الصمت نفسه عبئًا لا يُحتمل.
في تلك اللحظات، لا يكون الألم صاخبًا كما نظن، بل هادئًا إلى حد القسوة، كأنه يسكن الأعماق ويعيد نفسه كلما حاولنا تجاوزه. نبتسم أحيانًا بينما شيء ما في الداخل ينكسر ببطء، ونمضي في أيامنا وكأننا بخير، بينما الحقيقة أن هناك صوتًا خافتًا بداخلنا يطلب فقط أن يُسمع، أن يُفهم، أن يجد من يربت عليه دون حكم أو تفسير.
ولأن الصراخ ليس دائمًا خيارًا، نتعلم ببطء كيف نبحث عن منافذ أخرى للنجاة. نكتب، لا لنُجيد الكتابة، بل لننجو. نتحدث، لا لأننا نملك كل الإجابات، بل لأننا نحتاج أن نُفرغ هذا الثقل. نلجأ إلى تفاصيل صغيرة، إلى مشيٍ طويل، إلى لحنٍ يعبر عنا دون أن يعرفنا، إلى لحظة صمت صادقة تسمح لنا أن نكون كما نحن دون تكلّف. هذه التفاصيل البسيطة قد لا تبدو عظيمة، لكنها أحيانًا تكون الفارق بين الانهيار والبقاء.
ومع ذلك، يبقى الإنسان بحاجة إلى إنسان آخر، إلى يد تمتد دون أن تُسأل، إلى قلب يتسع دون شروط. فالدعم ليس رفاهية، بل ضرورة خفية، لأن المشاركة تُخفف، ولأن الاعتراف بما نشعر به أمام شخص نثق به يمنح الألم شكلًا أقل قسوة. حين نجد من يصغي إلينا، لا تختفي المعاناة تمامًا، لكنها تصبح أكثر احتمالًا، كأنها تُقسم بين قلبين بدل أن تثقل قلبًا واحدًا.
وربما، في عمق هذه الرغبة في الصراخ، لا يكمن الضعف كما قد نظن، بل صدق إنساني نقي. إنها لحظة اعتراف بأننا لسنا بخير، وأننا نحتاج، وأننا نشعر… وهذا بحد ذاته قوة. لأن الإنسان الذي يواجه مشاعره، مهما كانت مؤلمة، هو إنسان لا يزال حيًا من الداخل، لا يزال قادرًا على أن يتألم، وبالتالي قادرًا على أن يشفى.
وهكذا، قد لا نصرخ، وقد لا يسمع أحد ما يدور في داخلنا، لكننا نتعلم شيئًا فشيئًا أن نصغي لأنفسنا، أن نمنحها المساحة التي تستحق، وأن نصدق أن كل هذا الثقل، مهما طال بقاؤه، قابل لأن يخف يومًا ما، حين نجد الطريق الصحيح للتعبير، وحين نسمح لأنفسنا بأن نكون بشرًا… بكل ما في الكلمة من ضعف وجمال.
