كتبت : غدير الصالح

لطالما اعتقدنا أن الأشرار هم من يدمّرون العالم، لكننا نغفل أحيانًا أن من يفسد المجرى الطبيعي للأشياء هم الطيبون أكثر من اللازم.

ففي كثير من الأحيان، لا يمنع ما يجب أن يحدث الشرير، بل ذاك الذي يفرط في التفهّم، ويبالغ في التسامح، ويستنزف نفسه باسم التضحية.
ذاك الذي يصمت حين كان يجب أن يرسم حدًا، ويبتسم حين كان عليه أن يطالب بحقه، ويقول: لا بأس في مواقف تستدعي المواجهة.

يظنّون أن الصمت سلام،
لكن الصمت أحيانًا تربة خصبة للشر.
ويظنّون أن التسامح فضيلة،
لكنه أحيانًا يصبح دعوة مفتوحة للظلم.
والرحمة، حين تُمنح بلا وعي، تتحوّل إلى رصيد يُعطى للشخص الخطأ.

تأمّل قليلًا…
إذا كنت تمنح الحق دائمًا لشخص واحد،
وتستقبل أخطاءه بلا حدود،
وتحتمل أنانيته بتضحية متواصلة،
هل تعرف ما الذي سيحدث؟
لن يتغيّر.
بل سيصبح ظالمًا أكثر جرأة.
الطيبة، حين لا تُضبط، تنقلب ضد صاحبها.
الرحمة، حين تتجاوز حدّها، تُربي الظالم.
التضحية، حين تُفرِط، تمحو الإنسان.
وبدون أن تشعر، تُسهم في نشر الشر؛
لأنك ألغيت الدرس الذي كان يجب أن تُلقنه الحياة،
وأوقفت التحوّل الذي كان يجب أن يحدث.

لهذا، أحيانًا لا يأتي الشر الأكبر من الأشرار،
بل من الطيبين جدًا…
الذين، دون وعي، ألغوا:
الوعي الذي كان يجب أن يتشكّل.
التغيير الذي كان يجب أن يحدث.
الحدود التي كان يجب أن تُرسم.
المواجهة، أو الابتعاد، أو الصمت الواجب.
ليس كل لطفٍ فضيلة،
ولا كل صبر حكمة.
أحيانًا، لا يفسد العالم بالشر،
بل بطيبةٍ لم تُمارَس في وقتها
ولا في مكانها الصحيح.

الأشخاص الذين مرّوا بتجارب صادمة ثم تجاوزوها لا يسيرون في الحياة بنفس الوتيرة أو بنفس الشروط التي يسير بها الآخرون.. طريقهم نحو النجاح غالبًا ما يتطلّب جهدًا من نوع مختلف، لأن جزءًا كبيرًا من طاقتهم النفسية كان مُسخّرًا للبقاء أولًا، لا للتقدّم أو الإنجاز..

من الطبيعي جدًا أن يأتي النجاح لديهم متأخرًا، أو أن يظهر بشكل مغاير لما هو شائع.. فالعقل الذي تعرّض للصدمة يعيد ترتيب أولوياته، السلامة قبل الطموح، والاستقرار قبل التوسع.. هذا لا يعني ضعفًا ولا نقصًا في الكفاءة، بل يعني أن الجهاز النفسي كان منشغلًا بالحماية وتنظيم الألم بدل مراكمة الإنجازات..

لذلك، مقارنة نفسك بالآخرين في هذه الحالة ليست عادلة. فبينما كان بعضهم يراكم النجاحات خطوة بعد أخرى، كنت أنت تبني شيئًا أكثر أساسية، مساحة داخلية آمنة تسمح لك بالاستمرار في الحياة..

التعاطف مع الذات هنا ليس ترفًا، بل ضرورة.. لأن النجاة بحد ذاتها إنجاز، وكل ما يأتي بعدها يُبنى على هذا الأساس..