في قلب القاهرة… حكاية الزمن في شارع المعز.


كتبت : حنان المطوع .

حين ندخل شارع المعز لا نعبر طريقاً مرصوفاً بالحجر فحسب، بل نعبر طبقات من الزمن تراكمت فوق بعضها حتى صارت ذاكرة مدينة كاملة. هذا الشارع الذي يمتد في قلب القاهرة التاريخية ولد مع ولادة المدينة نفسها سنة 969م، حين أسس القائد الفاطمي جوهر الصقلي عاصمة جديدة بأمر الخليفة المعز لدين الله الفاطمي. كانت القاهرة آنذاك مدينة ملكية مغلقة تكاد تكون حكراً على الخليفة وجنده وأهل البلاط، وكان هذا الشارع، الذي عرف قديماً بالقصبة الكبرى، هو العمود الفقري لها، والطريق الذي تسير فيه مواكب الخلفاء بين القصرين الشرقي والغربي في مشهد تتلألأ فيه الرايات وتتعالى فيه صيحات الجنود.

في العصر الفاطمي كان الشارع عنوان الهيبة والسلطة، تتجاور فيه القصور والمساجد، وتبنى على امتداده المنشآت التي تعكس قوة الدولة الممتدة من المغرب إلى أطراف الشام والحجاز. ومن أبرز معالم تلك المرحلة مسجد الحاكم بأمر الله الذي بدأ بناؤه سنة 990م واكتمل عام 1013م، فكان شاهداً على شخصية خليفة أثار الجدل في حياته وبعد اختفائه الغامض سنة 1021م. لم يكن المسجد مجرد مكان للعبادة، بل كان رمزاً لمرحلة سياسية وفكرية عميقة التأثير في تاريخ مصر.

وحين سقطت الدولة الفاطمية عام 1171م على يد صلاح الدين الأيوبي، تغير المشهد السياسي والديني، لكن الشارع لم يفقد مكانته. تحولت القاهرة من عاصمة مذهبية إلى مركز إسلامي كبير، وأعيد توظيف كثير من مبانيها، ثم جاء العصر المملوكي ليكتب الفصل الأكثر ازدهاراً في تاريخ شارع المعز. تنافس السلاطين والأمراء في تشييد المدارس والخوانق والأسبلة والبيمارستانات، حتى صار الشارع معرضاً مفتوحاً لفنون العمارة الإسلامية. ومن أعظم ما شيد فيه مجموعة قلاوون عام 1284م، التي جمعت بين المسجد والمدرسة والضريح وبيمارستان يعد من أرقى مستشفيات العصور الوسطى، حيث كان يعالج المرضى مجاناً وتصرف لهم الأدوية وتخصص لهم أماكن للإقامة.

في تلك القرون، لم يكن شارع المعز مجرد ممر رسمي، بل كان حياً نابضاً بالحياة. سكنه الأمراء وكبار التجار والعلماء، وامتلأت حوانيته بصناع الذهب والنحاس والعطور والنسيج. كانت القوافل تأتي من الشام واليمن والمغرب، فتفرغ حمولتها في الوكالات والخانات، ويتداخل صوت الباعة مع وقع أقدام طلاب العلم المتجهين إلى المدارس. خلف المشربيات الخشبية كانت البيوت العثمانية، مثل بيت السحيمي الذي أُنشئ في القرن السابع عشر، تحتضن حياة يومية هادئة تتقاطع فيها خصوصية الداخل مع صخب الخارج.

ومع دخول العثمانيين عام 1517م استمر الشارع مركزاً تجارياً مهماً، وإن خفت البريق السياسي الذي عرفه في العصور السابقة. بمرور الزمن، ومع التحولات الاقتصادية والعمرانية في القرن التاسع عشر، تراجعت مكانته شيئاً فشيئاً، وبدأ الإهمال يزحف على مبانيه. وفي القرن العشرين كاد كثير من معالمه يختفي تحت ضغط العشوائية والتكدس السكاني، حتى تنبهت الدولة إلى قيمته الاستثنائية، فبدأت مشروعات ترميم واسعة أعادت إليه روحه، وتوجت بافتتاحه كمتحف مفتوح عام 2008، ضمن نطاق القاهرة التاريخية المسجلة على قائمة التراث العالمي.

اليوم، حين يضاء شارع المعز ليلًا، تبدو مآذنه وقبابه كأنها تستعيد سرد حكاياتها بصوت خافت. يسير الزائر بين باب الفتوح شمالًا وباب زويلة جنوباً، فيجد نفسه محاطاً بألف عام من التحولات؛ من دولة قوية إلى سلطنة مملوكية شامخة، ومن ولاية عثمانية مترامية إلى مدينة حديثة تحاول أن تصون ذاكرتها. لقد تعاقبت عليه أحداث سياسية جسام، وصراعات مذهبية، وغزوات وأوبئة واحتفالات ومواكب، لكنه ظل ثابتاً، يحتفظ في حجارته بندوب الزمن وبريقه معاً.

شارع المعز ليس مجرد أثر سياحي، بل خلاصة قصة القاهرة نفسها؛ مدينة قامت على الطموح السياسي، وازدهرت بالعلم والتجارة، وعرفت القوة والانكسار، ثم نهضت من جديد. ومن يسير فيه اليوم لا يرى مباني فحسب، بل يقرأ سيرة قرون كاملة كتبت بالعمارة، وحفظت في ذاكرة الحجر.