امرأة خرجت من الصمت… أقوى من كل الجدران
كتبت : حنان المطوع

محاطٌ بجدرانٍ لا ترى خلفها شيئًا.
هناك نساء يولدن في قلب العاصفة؛ نساء لم تعرف حياتهن يوماً طريقاً ممهداً، بل بدأن خطواتهن الأولى فوق زجاجٍ مكسور.
امرأة عاشت عمرها في محيطٍ لا يرى قوتها، ولا يعترف بقدرتها، تكسر إرادتها مراراً، وتهمش طموحاتها بلا رحمة. كانت إمكانياتها تقمع تحت ثقل الكلمات، وتشكك أحلامها في كل لحظة، حتى أصبحت تشعر وكأنها تسير في طريق لا نهاية له، محاطً بجدرانٍ لا ترى خلفها شيئاً.
ومع ذلك… لم تستسلم.
نهضت بخفية، كما تنبت زهرة وحيدة وسط أرضٍ قاحلة، لا ينتبه أحد لولادتها لكنها تكبر رغم كل شيء. قررت أن تدرس، لا لأنها كانت تطمح إلى اعتراف أحد، بل لأن القراءة كانت ملاذها الوحيد، ولأن العلم كان الطريقة الوحيدة التي تمكنها من تحمل ثقل الحياة. سارت في طريق الشهادات العليا كمن يمضي في صمتٍ نحو نافذة صغيرة في آخر النفق؛ تدرس لتملأ الوقت، وتكتب لتبقي روحها حية، حتى لو كانت القلوب من حولها غارقة في اللامبالاة.
وفي وسط الضباب الذي أحاط بها طويلاً، ظهر ضوء خافت… مساعدة صغيرة من الخارج، لم تتوقعها. لم تكن طوق نجاة كامل، لكنها كانت الشرارة التي أيقظت ما كان مختبئاً داخلها. أضاءت لها طريقاً كانت تظنه منطفئاً، وجعلتها ترى أن العتمة ليست نهاية، بل مرحلة يتجمع فيها الضوء ليولد من جديد.
ومن رحم الألم، بدأت تتكون قوة حقيقية. قوة لا تعلن نفسها، ولا تتفاخر، بل تنمو بصمتٍ شديد. قوة امرأةٍ اعتادت أن تحرم، لكنها لم تنس نفسها. قوة نابعة من الجراح التي لم يلتفت لها أحد، ومن الدموع التي سقطت دون أن يسمعها أحد، ومن ليالٍ طويلة كانت تقاوم فيها وحدتها بـعزيمتها.
هذه القوة لم تكن صرخة، بل كانت همساً…
همس امرأةٍ اكتشفت أن أعظم انتصار هو أن تستيقظ كل يوم رغم كل شيء.
وأن تكمل خطواتها رغم اتساع الجرح.
وأن تنجح في وسط حزنٍ لم يغادرها، وفي عالمٍ لم يكترث لها.
لقد صنعت من معاناتها سلماً، ومن حرمانها جناحاً، ومن صمتها بداية طريق.
وهكذا، دون ضجيج، أصبحت امرأةً لا تشبه البداية التي جاءت منها… بل تشبه النور الذي صنعته بيديها
