لم يعد فينا ما يقال
كتبت : حنان المطوع

هناك مراحل في الحياة لا تنتهي فيها العلاقات بسبب خطأ كبير، ولا بسبب موقف حاسم، بل بسبب شيء أكثر هدوءاً وأشد قسوة… الاستهلاك.
نصل أحياناً إلى نقطة لا يعود فيها القلب قادراً على العطاء، ليس لأنه لا يعرف الحب، بل لأنه أعطى أكثر مما يحتمل. نستهلك كلمات العتاب حتى تفقد معناها، ونكرر محاولات التفاهم حتى تتعب الأرواح، ونمد جسور الود مرة بعد مرة حتى لا يبقى في اليد ما يمد.
عندها لا يحدث الانفجار الذي يتوقعه الجميع، بل يحدث الصمت.
صمت غريب لا يشبه الرضا، ولا يشبه الغضب، ولا حتى يشبه الحزن. صمت يولد عندما تنفد المشاعر كلها دفعة واحدة، فلا يعود في القلب ما يقوله، ولا في الروح ما تطالب به. يصبح العتاب بلا جدوى، والمجاملات بلا روح، والكلمات مجرد أصوات تعبر الهواء ثم تختفي.
في البدايات كنا نختلف لأننا نهتم، ونغضب لأننا نخاف الفقد، ونتحدث كثيراً لأننا نريد البقاء. أما حين تتعب المشاعر حقاً، فإن الإنسان لا يرحل بجسده فقط، بل يرحل بقلبه أولاً. يجلس في المكان نفسه، ويبتسم أحياناً، ويتحدث عند الحاجة، لكن شيئاً ما في داخله يكون قد غادر منذ زمن.
مؤلم أن ينتهي الحب، لكن الأكثر إيلاماً أن تنتهي القدرة على الشعور به. وأن تصل العلاقة إلى مرحلة لا يوجد فيها منتصر ولا مهزوم، ولا مذنب ولا بريء، بل مجرد أرواح استهلكت كل ما لديها من محاولات.
لقد استهلكنا كل شيء… الكلمات التي كان يمكن أن تصلح ما انكسر، والدموع التي كانت تخفف الوجع، والانتظار الذي كان يملؤه الأمل، وحتى المشاعر نفسها نفدت كما ينفد آخر ضوء في مصباح ظل يقاوم العتمة طويلاً.
وحين ينتهي رصيد المشاعر و تنفد المشاعر تماماً،، لا يبقى سوى الصمت…
لا تكون النهاية صراخاً ولا وداعاً… بل ذلك الصمت البارد الذي يخبرك أن كل شيء انتهى قبل أن ترحل الأجساد.
