“حين غابت الأسباب وحضرت المشيئة”


كتبت : غدير الصالح

ذهبت إلى الحج وأنا أحمل ما أحمله في كل عمرة من يقينٍ بأن الله ييسر لعباده ما يعجزون عنه. اعتدت في السعي بين الصفا والمروة أن أتنقل على كرسي متحرك، فقد كان ذلك أيسر لي وأقرب إلى قدرتي. ولم يخطر ببالي يوماً أن يأتي سعي أؤديه على قدمي كاملة.

في ذلك اليوم، شاء الله أن تتعذر الأسباب. بحثت عن كرسي للتنقل بين مكاتب التأجير في الحرم، فلم أجد. وقفت لحظة أتأمل الموقف، ثم قلت لنفسي: امشِ ما استطعت، وما دام الله قد دعاك إلى هذا المكان فلن يتركك وحدك.

بدأت السعي بخطوات مترددة، أراقب المسافة وأظن أن النهاية ما زالت بعيدة. كنت أمشي ثم أمشي، وكلما شعرت بالتعب وجدت في داخلي قوة تدفعني إلى الاستمرار. لم أكن أفكر في عدد الأشواط بقدر ما كنت أفكر في أن أصل، وأن أتم ما جئت من أجله.

ومع كل خطوة كنت أشعر أن الذي يحملني ليس قدمي، بل رحمة الله. لم تكن المسألة قدرة جسد، بل معونة رب. ولم يكن الإنجاز إنجازي، بل توفيقاً من الكريم الذي إذا أراد أمراً هيأ له أسبابه الخفية.

وعندما نظرت أخيراً إلى العداد الذي في يدي، فوجئت بأن الأشواط السبعة قد اكتملت. وقفت مدهوشة بين الامتنان والفرح، أدرك أن ما حدث لم يكن بقوتي ولا بحولي، وإنما بمشيئة الله وحده.

في تلك اللحظة تعلمت درساً لن أنساه ما حييت: أن الأسباب قد تغيب، لكن عطاء الله لا يغيب. وأن ما نظنه مستحيلًا قد يصبح يسيراً إذا أذن الله به. وأن الطريق الذي نخاف طوله قد ينتهي ونحن لا نشعر، لأن الله كان معنا في كل خطوة.

لا مشيئة إلا مشيئته، ولا حول ولا قوة إلا به. هو الذي أذن، وهو الذي يسر، وهو الذي أعان. هو الغفور الرحيم، الجبار المنقذ، الكريم الذي يفتح لعباده أبواباً لا يرونها.

أشهد أني قد لبيت النداء، وأديت المناسك بما استطعت، وأشهد أن الفضل كله لله وحده، لا شريك له. وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وعلى سنته أكملت نسكي.
ويبقى في القلب يقين لا يتغير: أن العبد يمشي بخطواته، لكن الذي يوصله إلى النهاية هو الله.
قد تتعثر الأسباب، وقد تضيق الحيل، وقد يظن الإنسان أن الطريق أطول من قدرته، لكن رحمة الله إذا سبقت، حملت العبد إلى حيث لم يكن يظن أنه يصل.
فالحمد لله الذي أعان بعد عجز، ويسر بعد تعسر، وأتم النعمة بعد أن ظننت أنني لن أستطيع.
وفي كل مرة أتذكر فيها تلك الأشواط السبعة، يزداد يقيني أن ما كان لله تم، وما كان بعون الله اكتمل، وما كان بمشيئته صار حقيقة.
وحين غابت الأسباب… حضرت المشيئة.