حين يتكلم الغياب
كتبت : حنان المطوع

لغياب ليس مجرد فراغ يتركه الإنسان خلفه، بل هو مرآة صادقة تكشف مكانته في قلوب الآخرين، وتظهر ما لا تقوله الكلمات حين تكون العلاقات ساكنة في حضورها، صامتة في غيابها.
حين تغيب، لا يبقى العالم كما كان تماماً، بل يبدأ كل شخص من حولك في إظهار معناه الحقيقي في حياتك. فهناك من يشعر بغيابك كأنه نقص في يومه، فيسأل عنك دون انقطاع، وكأن حضورك عادة جميلة لا يكتمل يومه إلا بها. وهناك من يراك كأنك تفصيلة عابرة، إن حضرت لم يلتفت، وإن غبت لم يلاحظ، وكأنك لم تكن في الأصل جزءاً من المشهد. وبين هذا وذاك، هناك من يمر عليه غيابك بصمتٍ غريب، لا يسأل ولا يفتقد، ليس قسوة بالضرورة، بل غفلة أو انشغال جعل حضورك في حياته باهتاً دون أن يشعر.
الغياب يكشف ولا يظلم، يوضح ولا يبالغ. فهو لا يخلق المشاعر، بل يفضح حقيقتها فقط.
وفي المقابل، هناك قلوب طيبة لا تشبه غيرها، قلوب إذا أحبت منحت بلا حساب، وإذا وثقت صدقت بلا شك، وإذا سامحت محت كأن شيئاً لم يكن. لكنها في الوقت نفسه، ليست سهلة كما يظن البعض، فهي ترى ما لا تراه العيون، وتلتقط التفاصيل التي يمر بها الآخرون مروراً عابراً. تشعر بالكلمة قبل أن تقال، وبالنية قبل أن تعلن، وبالخذلان قبل أن يحدث.
هذه القلوب تحب بعمق، فتمنح كل ما فيها دون خوف، لكنها أيضاً تتألم بعمق، لأن ما يدخل إليها لا يمر مرور السطح، بل يستقر في أعماقها. نادراً ما تكره، لأنها لا تبني مشاعرها على ردود أفعال سريعة، بل على تراكمات ثقيلة. تتغاضى كثيراً، تسامح كثيراً، وتنسى الإساءة كثيراً، ليس ضعفاً، بل رحمة داخلية ووفاء نادر.
لكن حين تصل إلى لحظة الاكتفاء، حين تستنزف طيبتها أو يستهان بها، فإنها لا تعود كما كانت. لا تصرخ، ولا تشرح كثيراً، فقط تغلق أبوابها بهدوء. وحينها لا يعود هناك رجوع، لأن من خرج من قلبها بعد أن استهان به، لا يجد طريق العودة إليه مهما حاول.
هكذا هو الغياب… لا يغير الناس، بل يكشفهم. وكأن الصمت حين يحل، يرفع الستار عن حقيقة كانت مختبئة خلف ضجيج الحضور.
