الحمراء وفاس…
بقلم : حنان المطوع.
الحمراء وفاس…

حين عبرت العمارة البحر ولم تسأل عن الحدود
لو وقفت في قلب قصر الحمراء في غرناطة، ثم أخبرك أحدهم أن تبحث بين أعمدته ونقوشه عن مدينة تقع على الضفة الأخرى من البحر، فربما لن يخطر في بالك أن المدينة التي يقصدها هي فاس.
فما الذي تفعله فاس هنا؟
وما الذي يمكن أن يجمع بين قصر يعتلي تلال غرناطة، ومدينة مغربية عتيقة تفصلها عنه مياه المضيق؟
الجواب موزع بين الحجر والماء والزليج، وبين رحلة ملك فقد عرشه، وصناع عبروا البحر، وحرفة ظلت حية حتى بعد سقوط دول وقيام أخرى.
ندخل الحمراء فتأخذنا الأقواس المتتابعة، والأعمدة الرخامية الرشيقة، والجدران التي غطاها الجص المنقوش حتى أصبحت أشبه بصفحات مفتوحة من الفن، ثم ذلك الماء الذي يسير في الأفنية بهدوء وكأنه يعرف طريقه منذ مئات السنين.
كل شيء حولنا يقول: الأندلس.
لكن عندما نقترب أكثر من التفاصيل، يظهر خلف المشهد عالم آخر.
فاس.
فالحدود التي نعرفها اليوم لم تكن تفصل المغرب والأندلس بالطريقة التي نتخيلها. كان البحر طريقاً تعبره السفن والتجارة والعلماء والصناع، ومع هؤلاء كانت تسافر الأفكار وطرق البناء والزخرفة.
ولهذا عندما ننظر إلى عمارة فاس القديمة ثم إلى الحمراء، نشعر بتلك القرابة الغريبة.
الزليج الهندسي، والجص المحفور، والخشب المنقوش، والأفنية الداخلية، والماء الذي يصبح جزءاً من المكان، والاهتمام بأدق التفاصيل حتى يكاد الجدار نفسه يتحول إلى قطعة من النسيج.
وكأن فاس وغرناطة كانتا تتحدثان لغة فنية واحدة، لكل منهما نبرتها الخاصة.
لكن الحكاية تصبح أجمل عندما يدخلها ملك غرناطة محمد الخامس.
فقد خسر عرشه واضطر إلى مغادرة الأندلس، وكانت فاس من الأماكن التي عاش فيها خلال منفاه تحت حماية المرينيين.
ولنتخيل المشهد بعيداً قليلاً عن كتب التاريخ.
ملك خرج من قصره مكرهاً، يصل إلى مدينة أخرى، يمشي بين مبانيها ومدارسها وقصورها، ويرى أمامه فناً معمارياً مزدهراً: أفنية وزليج ونقوش وأعمدة وماء وحدائق.
ربما كان يفكر في عرشه أكثر مما يفكر في العمارة.
لكنه عاد إلى غرناطة.
وبعد عودته شهدت الحمراء واحدة من أروع مراحلها، وظهر قصر الأسود الذي أصبح فيما بعد أحد أشهر أجزاء القصر في العالم.
وهنا توقف الباحثون أمام العلاقة بين العمارة النصرية في غرناطة والعمارة المرينية في المغرب، وأمام ما يمكن أن يكون محمد الخامس قد رآه خلال وجوده في فاس وحمله معه في ذاكرته عند عودته.
ولا نحتاج إلى القول إن الحمراء نسخة من فاس، فهذا يظلم المدينتين معاً.
الأجمل من ذلك أن نفهم أن المغرب والأندلس كانا يتبادلان الفن.
صناع ينتقلون، وأفكار تسافر، وملوك وسفراء وعلماء يعبرون البحر، وكل مدينة تأخذ شيئاً وتضيف إليه شيئاً آخر حتى تظهر في النهاية عمارة تحمل شخصية المكان وذاكرة عالم كامل في الوقت نفسه.
ولعل فناء الأسود هو أكثر الأماكن التي تجعلنا نشعر بذلك.
أعمدة رشيقة تحيط بالفناء، وأسود تحمل نافورة الماء في الوسط، وظلال تتغير مع حركة الشمس، ونقوش تجعل العين لا تعرف أين تتوقف.
هنا لا يعود الحجر مجرد حجر.
إنه محاولة لصناعة الجمال من كل شيء: من الضوء والماء والظل والهندسة وحتى الفراغ.
ثم تغير كل شيء.
سقطت غرناطة، ورحل ملوكها، وتبدلت العصور، وبقيت الحمراء.
مرت عليها القرون، وأصاب الزمن بعض زخارفها، واحتاج القصر إلى الترميم.
وهنا تأتي التفصيلة التي أحبها أكثر من غيرها في هذه الحكاية.
عاد الحرفي المغربي إلى الحمراء.
تشير سجلات القصر إلى مشاركة حرفيين مغاربة في أعمال زخرفية وترميمية داخله، واستعين بمهاراتهم في التعامل مع فنون تشبه تلك التي ظلت حية في المغرب.
تخيلوا المفارقة.
بعد أن اختفى العالم السياسي الذي جمع يوماً بين ضفتي البحر، بقيت يد الصانع تعرف الطريق.
دخل حرفي مغربي إلى قصر بناه رجال عاشوا قبل قرون، ونظر إلى زخارفه، وفهم اللغة التي يتحدث بها الحجر.
وكأن الفن احتفظ بذاكرته عندما نسيها الزمن.
وربما لهذا نشعر حين ننتقل بين فاس وغرناطة بأننا لم نغادر الحكاية تماماً.
نجد قوساً يذكرنا بقوس، وفناءً يعيد إلى الذاكرة فناءً آخر، وزليجاً يبدو كأنه يعرف أخاه على الضفة المقابلة.
وليس المهم بعد ذلك أن نسأل: من أخذ عن من؟
فالحضارة لا تعمل بهذه البساطة.
هي أشبه بنهر طويل؛ كل مدينة تشرب منه ثم تعيد إليه شيئاً من روحها.
لهذا حين نقف اليوم أمام الحمراء، ربما لا ينبغي أن ننظر إليها باعتبارها أثراً جميلًا من زمن انتهى.
إنها ذاكرة حجرية لعالم كان أكثر اتصالًا مما نتصور.
عالم عبر فيه الإنسان البحر ومعه علمه وفنه وصنعته، فترك على الضفة الأخرى شيئاً منه ثم عاد وفي ذاكرته شيء جديد.
رحل الملوك الذين صنعوا تلك المرحلة، وتغيرت الخرائط، وأصبح البحر يفصل بين دولتين.
لكن شيئاً واحداً لم تستطع القرون أن تفعله.
لم تستطع أن تقطع الخيط بين فاس وغرناطة.
فما زال الحجر على الضفتين يحتفظ بالحكاية…
وما زالت الحمراء، إذا أطلنا النظر في تفاصيلها، تعرف الطريق إلى فاس.
