البطالة وأثرها على الهوية والانتماء.


البطالة وأثرها على الهوية والانتماء.

بقلم : حنان المطوع .

في كل صباح يفتح فيه الناس نوافذهم على الحياة، يخرج البعض متجهين إلى أعمالهم، بينما يبقى آخرون خلف الزجاج، يراقبون العالم يمضي دونهم. تلك اللحظة الصامتة تختصر مأساة البطالة؛ فهي ليست غيابا عن العمل فحسب، بل غياب عن الدور، عن الحلم، عن الإحساس بأننا جزء من حركة هذا العالم. إنها ليست أزمة اقتصادية فقط، بل أزمة هوية تمس أعماق الإنسان. فحين يقصى الشاب القادر عن المساهمة في بناء وطنه، يشعر كأنه غريب في أرضه، فاقد لرسالته، حائر بين الأمل والخذلان. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن أن يشعر الإنسان بالانتماء حين يسلب منه حقه في أن يكون فاعلا في مجتمعه؟
إنها ليست مجرد نقص في الوظائف، بل فراغ في المعنى، وثغرة في شعور الإنسان بذاته ومكانه في الحياة. فماذا يحدث حين يتحول الشاب الحالم إلى متفرج على طابور طويل من الانتظار؟ وكيف تتبدل هويته حين يشعر أنه بلا دور، وبلا صوت في عجلة الوطن؟

إن البطالة ليست أرقاما على ورق، بل وجوه وقصص لأشخاص تآكلت أحلامهم خلف الانتظار. الشاب الحاصل على الشهادة الجامعية ولا يجد وظيفة، يشعر بأنه بلا هوية مهنية، وبلا دور اجتماعي. المرأة التي ترغب في العمل وتقصى، تفقد شعور الانتماء وتصبح حبيسة الإحباط. والمجتمع كله يتأثر، فتتراجع الروح الوطنية، وتزداد الفجوة بين المواطن ووطنه.

لكن التاريخ يعلمنا أن الأزمات يمكن أن تتحول إلى فرص. خذ مثال سنغافورة، الدولة الصغيرة التي كانت قبل عقود تعاني من فقر وبطالة مرتفعة. بدلا من الاستسلام، استثمرت الدولة في الإنسان، فتأسست برامج التدريب المهني، وشجعت الصناعات والمهارات العمليه، وأصبح الشاب جزءا فعالا في نهضة وطنه. واليوم، تعد سنغافورة من أقوى الاقتصادات العالمية، ليس لأنها غنية بالموارد الطبيعية، بل لأنها غنية بالإرادة والمعرفة. وهنا سؤال يفرض نفسه: هل يمكن أن تتحول البطالة في بلداننا إلى حافز لإعادة التفكير في التعليم والعمل؟

الأمر لا يقتصر على توفير الوظائف فقط، بل على إعادة تعريف معنى العمل. فالوظيفة ليست مجرد مصدر رزق، بل وسيلة لإثبات الذات، وبناء الهوية، والانتماء للمجتمع. حين يجد الشاب فرصة لينتج ويبدع، يزداد شعوره بالفخر، ويصبح مشاركا لا متفرجا. لهذا، على الأنظمة التعليمية أن تدمج بين التعليم العملي والتقني وريادة الأعمال، لتتيح للشباب خلق فرصهم بأنفسهم بدل انتظارها.

مثال آخر يلهمنا هو ألمانيا، التي جعلت التعليم المهني جزءا اساسيا من منظومتها التعليمية، وربطت بين المدارس وسوق العمل. الطالب هناك لا يخرج إلى الحياة ضائعا، بل مجهزا بالمهارات اللازمة ليشارك بفاعلية في مجتمعه. والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا: هل نهيئ أبناءنا ليكونوا فاعلين في مجتمعهم، أم مجرد طالبي وظائف في طوابير الانتظار؟

إن البطالة ليست مجرد أزمة اقتصادية، بل أزمة اجتماعية وإنسانية. فهي تضعف شعور المواطن بالانتماء، وتخلق إحباطا في النفوس، ويصبح الفرد أقل ثقة بقدراته وبمكانه في الوطن. ومع ذلك، الحل ليس صعبا؛ إذ يمكن لكل فرد ومؤسسة ومجتمع مدني أن يشارك في صناعة الفرص، ابتكار المشاريع الصغيرة، وتشجيع روح العمل والإبداع.

تخيل مجتمعا يعيد تعريف الكرامة من خلال العمل، ويحتفي بكل مهنة، ويقدر كل يد عاملة. أليس هذا هو الانتماء الحقيقي؟ أن يشعر كل فرد أنه جزء من بناء وطنه، وأن مساهمته لها قيمة؟

لعل أخطر ما تفعله البطالة ليس أنها تفرغ الجيوب، بل أنها تفرغ الأرواح من الحلم. ولكن حين نؤمن أن العمل هو مرآة الهوية، وأن الانتماء يولد من المشاركة، سنعرف أن الحل يبدأ من الداخل. علينا احترام العمل، وإعادة بناء منظومة التعليم والتدريب، ومنح الشباب فرصا ليحلموا ويعملوا معا.
فلنستلهم تجارب الدول التي حولت البطالة إلى انطلاقة، مثل سنغافورة وألمانيا، ولنجعل من كل تحد فرصة للتغيير. فالأوطان لا تبنى بالشعارات، بل بالأيادي العاملة، وبالقلوب التي تؤمن أن الانتماء الحقيقي هو فعل يترجم على أرض الواقع.

فلنسأل أنفسنا اخيرا: هل سنبقى ننتظر الفرص، أم سنصنعها بأنفسنا؟