عد الموجود… قبل أن تضيع النعم.
عد الموجود… قبل أن تضيع النعم.
كتبت : حنان المطوع .

نعيش زمناً غريباً، تتكدس فيه الأشياء حولنا بينما تتآكل الطمأنينة في الداخل. لم يكن الإنسان يوماً محاطاً بكل هذا القدر من الراحة، ومع ذلك لم يكن أنينه أعلى ولا شكواه أكثر حضوراً. كأن الرفاهية، بدل أن تكون حضناً دافئا ً، تحولت إلى مرآة قاسية تذكرنا دوماً بما ينقصنا لا بما نملكه.
نستيقظ كل يوم وفي داخلنا قائمة غير مكتوبة من النواقص، نطاردها بلهفة، ونؤجل الفرح إلى أن تكتمل، مع أنها لا تكتمل أبداً. نؤمن – دون وعي – أن السعادة تقيم في الخطوة القادمة، في الشيء التالي، في الامتلاك المؤجل. وهكذا نمضي العمر في الانتظار، بينما تمر النعم من حولنا صامتة، لا تشتكي من تجاهلنا، لكنها لا تمنح دفئها لمن لا يلتفت.
الأشياء التي حلمنا بها يوماً، صارت اعتيادية، ثم صارت عبئاً. الهاتف الذي قرب البعيد، أبعدنا عن أنفسنا. الخيارات الكثيرة التي وعدنا بأنها حرية، جعلتنا أكثر حيرة، أقل طمأنينة، وأكثر خوفاً من أن نختار خطأً. كأن كثرة الاحتمالات أرهقت القلب، فلم يعد يعرف أين يستقر.
وفي زحمة الاتصال، تسللت العزلة بهدوء. نتحدث كثيراً، لكننا لا نصغي. نشارك التفاصيل، لكننا نخفي الجوهر. نبدو ممتلئين بالحياة، بينما الروح تطلب لحظة صدق، أو نظرة تفهم دون شرح. لم نعد نعاني من قلة التواصل، بل من قلة المعنى فيه.
ليست المشكلة أن الله قلل العطاء، بل أن البصيرة انشغلت. فالعين التي لا ترى إلا ما فاتها، تعجز عن رؤية ما أُعطيت. والفقر الحقيقي ليس فقر اليد، بل فقر الامتنان. أن تملك، ولا تشعر. أن تنعم عليك الحياة، ولا تتوقف لحظة لتقول: هذا كافٍ الآن.
الرضا لم يكن يوماً استسلاماً، بل كان شجاعة. شجاعة أن تعترف بأنك بخير، حتى وأنت تسعى للأفضل. أن تحب الطريق، لا فقط الوصول. أن تشكر النعمة وهي بين يديك، لا بعد أن تغادرك.
حين نعود للامتنان، لا تتغير الأشياء كثيراً، لكن القلوب تصبح أخف. يتراجع الضجيج، ويعلو السلام. ندرك أن الله أعطانا أكثر مما ظننا، لكننا كنا مشغولين بعد المفقود، عن شكر الموجود. وحين نفهم ذلك، لا نملك العالم، لكننا نملك أنفسنا… وذلك يكفي.
