كتبت : غدير الصالح

المتسامحون يتغافلون كثيراً… ويمررون كثيراً… ويغفرون كثيراً… لكنهم إن رحلوا، لا يعودون أبداً.
استوقفتني هذه العبارة التي قرأتها في مكان ما، فوجدت فيها، وفق فهمي الخاص، أربع مراحل للتسامح: التغافل، ثم التمرير، ثم الغفران، وأخيراً الرحيل. فهل للتسامح حدود؟ وهل يصل الإنسان إلى لحظة يدرك فيها أن كل ما يستطيع تقديمه قد استُنفد؟
في المرحلة الأولى، يتغافل المتسامح عن الخطأ، ويواصل تعامله مع الآخر وكأن شيئاً لم يكن، إما لأنه يظن أن الإساءة غير مقصودة، أو لأنه يفضل حسن الظن على سرعة الاتهام.
ثم تأتي مرحلة التمرير- حيث يدرك أن ما حدث ربما كان مقصوداً، لكنه يختار ألا يمنحه حجماً أكبر، حفاظاً على العلاقة، أو تجنباً للخلاف، أو لأن خسارة الود تبدو أثقل من احتمال الإساءة.
أما الغفران، فهو أسمى مراحل التسامح، لأنه لا يقوم على التجاهل، بل على الاعتراف بالخطأ، ووجود رغبة صادقة في إصلاحه. لكنه، في الوقت نفسه، ليس صكاً مفتوحاً لتكرار الإساءة.
وحين تُستنزف مراحل التغافل والتمرير والغفران، يصل المتسامح إلى المرحلة الأخيرة: الرحيل. ليس انتقاماً، ولا قسوة، وإنما حفاظاً على كرامته وسلامه الداخلي. وربما يكون رحيله هذه المرة بلا عودة.
قد يختلف كثيرون مع هذا التصور، فلكل إنسان حدوده الخاصة. أما أنا، فأميل إلى اختصار الأمر في ثلاث محطات: التنبيه، ثم قبول الاعتذار، ثم الرحيل… أو ما أحب أن أسميه “الطلقة الثالثة”.
فإذا أخطأ أحدهم في حقي، قبلت اعتذاره الأول على أمل أن الأمر كان عفوياً أو ناتجاً عن سوء فهم. وإذا تكرر الخطأ، منحت الاعتذار فرصة ثانية. أما الثالثة، فإنها لا تعني بالنسبة لي تكرار الخطأ فحسب، بل تعني أن الطرف الآخر اعتاد التسامح حتى استهان به، أو لم يعد يكترث بمشاعري.
العلاقات الإنسانية معقدة، وتختلف من شخص إلى آخر تبعاً للتربية، والأخلاق، والظروف النفسية. لكنني لاحظت أن بعض الناس يسيئون فهم المتسامحأ أو “يستصغرونه”، فيحسبون طيبته ضعفاً، بينما يتعاملون بحذر مع سريع الغضب أو المتعالي، أو “يتجفون شرّه”، وكأن الاحترام لا يُمنح إلا لمن يخشاه الآخرون.
ولذلك يبالغ بعض الناس في القسوة وصناعة الضجيج حول أنفسهم ليصنعوا ما يشبه “الهيبة”، بينما يستسهل آخرون التعامل مع الإنسان الطيب والمعطاء، وكأنه محطة سيجدون أبوابها مفتوحة كلما أرادوا العودة. وينسون أن أكثر المحطات صبراً قد تغلق أبوابها يوماً، لا كرهاً للقادمين، بل حفاظاً على ما تبقى من نفسها.
التسامح ليس ضعفاً، بل قوة أخلاقية لا يملكها إلا من اتّسع قلبه لكل شئ. والمتسامح ليس ملعباً لتكرار الأخطاء، بل نعمة تستحق أن تُصان.وفي زمنٍ أصبحت فيه القلوب الطيبة أقل حضوراً، ربما يكون أجمل ما نستطيع فعله هو أن نحافظ على الطيبين قبل أن يختاروا الرحيل… فلا يعودوا أبداً.