اسقاطات علي فيلم ( نازا )


كتب : محمود هاشم

منذ أيام معدودة، في العاشر من سبتمبر 2026، لم يصفق الحضور الأنيق في مهرجان فينيسيا لفيلم خيالي ممتع، بل تسمروا في مقاعدهم كمن رأى شيطانا يبتسم في مرآته، وهم يشاهدون الفيلم الوثائقي البريطاني الصادم “NAZA”.
المخرجان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، بدعم من “الجارديان”، وضعا العالم أمام مشرحة حقيقية، اعترافات حية مسجلة لـ 24 ضابطا ومحللا استخباراتيا بوجوه مطموسة، يروون كيف حولوا فناء شعب كامل إلى روتين وظيفي بليد: واحد يكتب الكود، وواحد يخترق الهاتف، وواحد يحدد البيت، وآخر يضغط الزر، لينام الجميع ليلتهم بضمير مستريح لأنه لم يقتل وحده بل النظام هو الفاعل.
الرعب يبدأ من شرفات تل أبيب المترفة، حيث يأكل الناس عشاءهم ويسيرون كلابهم، بينما على بعد دقائق يجلس هؤلاء الشبان الأذكياء يلهون بمصطلح اسمه “NAZA”.
وهي ليست كلمة عبرية عادية، بل شفرة تعني حساب عدد المدنيين المتوقع إحراقهم مسبقا مقابل الرأس المستهدف. الأمر ليس خطأ نيران، بل قرار بارد وصل في إحدى الحالات إلى الموافقة المكتوبة على سحق 500 مدني بريء من أجل اصطياد عنصر واحد فقط من حماس.
ثم تفتح المنظومة ترسانتها الأكثر قذارة:
نظام “لافندر” (Lavender): ماكينة ذكاء اصطناعي تقلب مليارات البيانات، لتصنع قوائم قتل بشرية ببرود مريع، وتحدد من يجب أن يموت اليوم.
أداة “أين بابا؟” (Where’s Daddy?): منظومة تتبع بالغة الخسة، وظيفتها ألا تقتل المشتبه فيه في الشارع، بل تتعقبه حتى يدخل بيته ويجتمع شمل العائلة. المحللون يسمعون ضحكات الأطفال وصوت التلفاز عبر الميكروفونات، ومع ذلك يُسقطون القنبلة فورا.
يحكي ضابط وهو يبتلع ريقه كيف راقبوا طفلتين صغيرتين تترقبان عودة أبيهما، وحين انقضت القذيفة سُحقت الطفلتان وتهدم البيت، بينما كانت المفاجأة السوداء أن الأب لم يكن قد عاد أصلا.
“منطقة الإبادة والمحو” (Annihilation Zone): تحول رسمي لمحو الجغرافيا وتدمير مربعات سكنية كاملة وجعلها أرضا محروقة غير صالحة لأي كائن حي.
“قسم بيبي”: الجناح السياسي الاستخباراتي لنتنياهو، المخصص لتبييض الجرائم، واختراع الأكاذيب للإعلام الغربي، وترهيب منظمات حقوق الإنسان التي تحاول كشف الفضيحة.
وعندما تنتقل الكاميرا أخيرا إلى جحيم غزة، حيث يجمع الأهالي لحوم أولادهم الممزقة في أكياس الدقيق، يحاول أحد الضباط أن يغسل يديه بفلسفة رخيصة مسترجعا دروس “الهولوكوست”: “هل تحولنا إلى نازيين؟ أنا في النهاية مجرد ترس تافه”، فيصفعه المخرج بالكلمة التي لا مفر منها: “لكنك شاركت بالفعل”.
المأساة التي تجعل دمك يغلي ليست أن الآلة قتلت أطفالا، بل أن هناك عالما يدعي التحضر يجلس في مقاعد المتفرجين، يوزع الجوائز في المهرجانات، ويناقش الخوارزمية كإنجاز تقني، بينما القتلة يعودون لمنازلهم لتناول العشاء في هدوء تام.
لعنة الله على حضارة تزن أرواح الصغار بأرقام الصفقات، وتصنع من إبادة الأبرياء لعبة شاشات يلهو بها أشباه رجال لا يملكون ذرة من شرف أو إنسانية.